قلبي يتسع لکل العراقيين

Username:Guest

    02/11/2004
 

عن سفينة الجعفري …و عناد غزوان الراحل بدون جواز سفر عباس الجبوري

10:14:07
 
عندما قرر ان يعيد بناء سفيينة الوطن ليمخر بها العراقيون في بحار الله الواسعة و عوالمه الممتدة رجع الجعفري بذاكرته الى ايام دراسته في جامعة الموصل, ودخل في ازقة ذاكرته المتشعبة بعد ان اسلم لها العنان ليتجول في رحاب الموصل او كما

يسميها بعض الطلبة عندما يحتدم النقاش بام الربيعين اوالحدباء … والموصلي يحب مدينته حد العشق … وهنا ضغط الجعفري على زر ذاكرته ليوقف شريطها المتداعي امام مقطع مجسم لغابات الموصل فتجول فيها يحتطب منها لسفينته خشبا يصر الموصليون على انه ينافس اخشاب الاخرين بجودته و نعومته تحت فؤوس النجارين و جمرة اتقاده ...فأحتطب منها ما اراد ثم صعد شمالا صوب اشجار الجوز العملاقة يختار منها ما يصلح لمقدمة سفينته لتقاوم تلاطم الامواج وهي تمخر عبابا كالجبال لتهُدأ من عنف الموج ثم تلاطفه .. و اخيرا لتحتضنه في شوق بحري دافئ يتسلل بين الفينة و الاخرى من بين انامل المحبين.

هنا بغداد و هذه ساحة بيروت-قال السائق -وهو يتلفت الى الجهة اليمنى ليتسلم الجواب من وجوه الركاب ..و هنا مد الجعفري يده الى الجهة اليسرىمن صدره يتحسس نبضات قلبه و حرارته وهو يرى بغداد ...و بغداد فيها للقلوب قلوب...و بغداد فيها للمشاة دروب...

ترجل من السيارة وهو ينظر الى بيوت بغداد وقد غطاها تراب برتقالي لم تألفه من قبل يقول الناس عنه انه هب على بغداد ايام الحرب و راحوا يفسرون هذا التراب تفاسيراعدة و يبحثوا له عن روايات و حكايا لا تصلح الا لقضاء الوقت و جلسات السهرة..و تلفتت عيناه ولم يتلفت قلبه-الذي بدأ يتحسس لسعات ممزوجة بحيرة و مرارة وهو يسمع روايات الحرائق و الهروب و احذية الجنود المتناثره و حشرجات للثأراو القصاص او كليهما معا او حتى الرغبة في قطع دروب الناس و منع العباءة البغدادية من ان تتسوق لاولادها خبزا و مودة.

كانت تجتاحه رغبة عارمة في ان يطرق ابواب كل العراقيين و يدعوهم فردا فردا الى العراق -و هل يدعى المواطن الى وطنه -او كما يكرر هو دائما-وهل يكرم المرء في بيته .. يدعوهم ..

تعالو الي …

نلملم كراريس المدارس و سجلات النفوس المتطايرة و نطفئ الحرائق اللئيمة و نمسح على رؤوس الباقين و نكفكف الدمع الذي لا يمل من النزول ...تعالوا الي ام اجئ اليكم .

كانت روحه هي التي تنادي و تلح بالنداء وهو يرى الدهر لم يبق لنا شيئا سوى هذا الحديد المتصدئ على جنبات الطريق وعلى فؤوس الفقراء …وللصدأ مشهد مرير حين يتوغل الى اغشية القلوب .

وقف في ساحة بيروت و ساحة بيروت لم تكن على البحر او على قمة جبل يعصمها من الماء و التسوس , فكبرت الدهشة على مرافقيه وهو يرى من حوله دنيا تتحرك في اتجاهات سبعة بعد ان كانت الاتجاهات اربعة كما تعلمها في درس الجغرافيه في مدارس كربلاء او كما ترويها نشرات الاحوال الجوية قبل لن تمنعها الحكومه بحجة ان في النشرات الجوية شفرا ت عسكرية قد يستفيد منهاالعدو ..

و اتجه من ساحة بيروت في خطواته المتأنية الى شارع فلسطين ليطيل الوقوف على رصيفه و ليرسم اتجاه الطريق او يقلب شيئا في ذاكرته .. فتحركت كلماته... ساحة بيروت ثم شارع فلسطين - اسماء و عناوين -لها سلطان على عينيه التي بدأت تغور من شدة الانهاك و طول المسافة بين كل ما يسمع او يرى ..ثم هجم عليه النوم هجمة واحدة فأسقطه من الاعياء و استسلم لنوم عميق ولم تكن تحت رأسه وساده ...ولأن بغداد كانت تغرق في الظلام سيستعجل البغداديون النهوض الصباحي , فنهض الجميع و لكن الجعفري كان قد استفاق قبلهم و اتم صلاته و تسبيحاته و راح يفكر بيوم جديد ايحاول ان يمد في ساعاته الشمسية لكي لا ينام الناس و تختفي ملامحهم تحت هذا الظلام الطويل...

و بدأ من بوابة الذكريات فطرق ابواب الباقين من اصدقاء الزمن الدراسي و الحركي ليدعوهم الى بناء السفينة الجاثمة اخشابها في ساحة بيروت فمنهم من تعجب و منهم من تفاعل و عانقه حد البكاء ثم أستأذن اهل بيته في اجازة مفتوحة لاحتمالات متعددة على ارصفة الوطن و لبدايات تحت الاصفارو لنهايات تستطيل مع الايام و ربما مع الساعات ...

و عبر من الرصافة الى الكرخ و بين الرصافة و الكرخ جسور من الحديد و الاسمنت و جسور من الشوق النهري ورسائل بريد وصلت ...و بعضها لم يصل و كلها عناوين مستورة او غير صحيحة .عفة و حياءا و خشية من اشراقة الصباح البغدادي ,فأختفت مثلما اختفت عيون المها بين الرصافة و الجسر ولم تبق على جانب النهر الا اكوام من الطابوق الاسود و اوراق اليانصيب القديمه تلهو بها الريح ...

كان كل شئ يرغب بالاختفاء او يحاول ان يتلمس اقدامه تحت هذا الزلزال فراح اللسان العربي المبين يتلجلج وكأنه يخشى ان ينطق من جديد...

كانت الرياح شبه مجنونه في حركاتها او هكذا يتصورها الناس على الاقل و ربما من القلق الذي راح يزدحم في الدروب و يكتظ في حدقات العيون ...

وطاف في الكرخ في حارات التاريخ واحياء الجغرافيا وكان يطيل النظر الى الجزرة الوسطية في حوار بلا حروف او بلا اصوات

ثم عاد الى الرصافة ليدور دورته الواسعة القطر على الشبابيك المزدحمة بالمشاهدين و المناطق المختنقة بالسكان و دوائر الدولة القديمة و سوق السري و شارع المتنبي المثير بسنده و متنه كما كان المتنبي مثيرا حد الازعاج فملأء الدنياو شغل الناس ...

و مر برجليه على سوق الصفافيرفأشترى مساميرا و سلاسل لحاجته الماسة اليها في مشوار البحر الطويل ... و بعد ان ودع قباب الكاظمية بعينين تحمر من لسعة الشعور تحرك صوب النوارس و القصب في رحلة الى الناصرية ...و الناصرية اهوار و مشاحيف و بقايارماد و اسماء ضحايا تكومت صورها على جدران البيوت المنسية منذ زمن طويل و بقت مدرستها الوحيدة التي اعطت الكثير رغم امعائها الخاويه و طلابها الفقراء ...

و الناصرية قرى وزعت حذرها حناجر عصافيرها المسافرة على خارطة الوطن وكانت تحمل بها القصب و البردي ...فحمل الجعفري كومة القصب الدافئ ليفترش السفينة و يزيدها دفأ و محبة ...

"و يصنع الفلك ..."و كلما مر العراقيون من حوله تنافسوا على السلام عليه و الشد على يديه و منهم من تطوع ليكون من حراس السفينة الموعودة و منهم من مد يد العون و المساعدة في بنائها و آخر راح يبشر الناس بالسفرة القادمة

اما النساء فمنهن التي انشغلت بالدعاء له , و منهن التي اقتربت تعين العاملين بصمت و جلال .

و كان آخر الذين مروا عليه عناد غزوان شيخ الادب العراقي ليبارك رحلته الميمونة بنثرية عراقية ساحرة..و سجل اسمه في قائمة الركاب قبل ان يسافر الى الغيب ليخبر العابرين الى الرجاء برقم السفينة و حكاية قائدها الجديد .

عباس الجبوري

تنشر بالتعاون مع صحيفة البيان العراقية

   
 
   
 
Add your comment

Name :

Family :

E- mail :

Comment :

 

   
 
   

Counter:62